f نبذة عن القضاء الاداري

أخر الأخبار  

إستطلاع رأي  

ما هو انطباعك عن موقع المحكمة الجديد؟
 

إعلانات  

نبذة عن القضاء الاداري

لاشكّ أنّ وجود الرقابة القضائية على أعمال الجهات الإدارية في دولة ما يعد من الضمانات الأساسية لحماية حقوق وحريات الأفراد ، وتأكيدا لمبدأ المشروعية أو سيادة القانون بالبلاد الذييحتم خضوع جميع مؤسسات الدولة والأفراد على حد سواء لحكم القانون.

وقد أرسى النظام الأساسي للدولة الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 101/96 دعائم القضاء الإداري بالسلطنة ليكون رقيبا على مشروعية تصرفات الإدارة وضمانا لتطبيق مبدأ سيادة القانون ، فبدايةأقرت المادة (25) من ذلك النظام أن التقاضي حق مصون ومكفول للناس كافة ، ثم أكدت المادة (59) على أن " سيادة القانون أساس الحكم في الدولة " ، وانتهت المادة (67) إلى إنشاء جهة قضائية تختص بالفصل في الخصومات الإدارية إما بواسطة دائرة أو محكمة خاصة يبين القانون نظامها وكيفية ممارستها للقضاء الإداري " ، وهو ما تُوج بإنشاء محكمة القضاء الإداري وإصدار قانونها بالمرسوم السلطاني رقم 91/99 ، كجهة قضائية مستقلة تختص بالفصل في الخصومات الإدارية التي حددها قانونها ، والمتعلقة بشؤون الموظفين العموميين ، والقرارات الإدارية ، ودعاوى التعويض والعقود الإدارية ، وغيرها من المسائل.

وبطبيعة الحال فإن إنشاء محكمة متخصصة للقضاء الإداري في السلطنة يعني أن المشرع العمانيقد رجح الأخذ بنظام القضاء المستقل عن القضاء العادي وهو ما يعرف بالنظام القضائي المزدوج ، فأنشأ هذه المحكمة إيمانا منه بأهمية إيجاد قضاة متخصصين ملمين بأعمال الإدارة ويتفهمون ظروفها ومطالبها ويحرصون في الوقت ذاته على حماية الحقوق والحريات الفردية في مواجهة الإدارة ، فيستطيعون بذلك التوفيق بين المصلحة العامة وما يجب لتحقيقها من تمتع الجهات الإدارية بقدر من الاستقلال وحرية في التقدير من أجل حسن سير المرافق العامة بانتظام واطراد ، وبين المصلحة الخاصة للأفراد التي تستوجب توفير الحماية القضائية لهم من أي تصرفات قد تصدر مخالفة للقانون تؤدي إلى المساس بحقوقهم وحرياتهم ، فضلا عن أن وجود القضاء الإداري المتخصص سمح بإنشاء قانون إداري يحكم نشاط الإدارة في علاقتها بالأفراد ، وذلك عن طريق النظر في الخصومات الإدارية وفقاً لمبادئ القانون الإداري التي تتفق وطبيعة هذه الخصومات وتختلف عن قواعد ومبادئ القوانين والأنظمة التي وضعت لتحكم العلاقات الخاصة بين الأفراد والتي يطبقها القضاء العادي ، مما يتيح لهؤلاء القضاة فرصة ابتداع الحلول المناسبة للعلاقات القانونية التي تنشا بين جهات الإدارة والأفراد ، الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى مساعدة الإدارةعلى إرساء مبدأ المشروعية والتعرف على الحلول السليمة التي يتعين عليها إتباعها عند اتخاذ قراراتها أو تصرفاتها.

كما راعى المشرع أن استقلال القضاء الإداري عن القضاء العادي يكفل السرعة في الإجراءات مما ينعكس أثره على سرعة الفصل في الخصومات الإدارية ، الأمر الذي يؤدي إلى ضمان حماية حقوق الأفراد في الوقت المناسب ويقتضيها حسن سير المرافق العامة بانتظام واطراد.

وبتتبع تطور الرقابة القضائية على أعمال الإدارة بالسلطنة نجد أن القضاء الإداري فيها يعد قضاءً حديثا مقارنة بالدول الأخرى التي لها باع طويل في هذا المجال ، إذ لم يتم إنشاء هذا القضاء وتنظيمه إلا بموجب قانون محكمة القضاء الإداري الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 91/99 ، والذي عُمل به اعتبارا من 1/12/2000م ، فضلا عن ذلك لم يكن القضاء قبل إنشاء هذه المحكمة مختصا منذ البداية بالفصل في الخصومات الإدارية باستثناء العقود الإدارية التي تبرمها الوحدات الحكومية مع الشركات المختلفة ، حيث كانت المحكمة التجارية (سابقا) تختص بنظر المنازعات الناشئة عن تلك العقود ، أما القرارات الإدارية فقد كانت قبل تاريخ العمل بقانون المحكمة محصنة من الرقابة القضائية ، وإن كان لبعض هذه القرارات إجراءات معينة للتظلم منها نصت عليها القوانين واللوائح المختلفة.

ومع ذلك فإنه إذا كانت البداية الأولى للرقابة القضائية على أعمال الإدارة بالسلطنة تتمثل في إنشاء محكمة القضاء الإداري ، إلا أن أعمال الجهات الإدارية لم تكن بمنأى عن أي رقابة قبل إنشاء هذه المحكمة ، إذ أن الواقع يؤكد وجود عدة أنواع من الرقابة حرصت الدولة على الأخذ بها منذ بداية النهضة المباركة ، وإن كانت فعاليتها محدودة نوعا ما بالمقارنة بالقضاء إلا أنها غالبا ما تحقق الضمانات المطلوبة ، فبعض هذه الأنواع تقرها القوانين واللوائح وبعضها الآخر جرى العمل على إتباعها ، ومن أهمها ما يأتي:

النوع الأول : الرقابة الإدارية ، وهي رقابة ذاتية تقوم الجهات الإدارية بمقتضاها بمراقبة نفسها بنفسها وذلك للتحقق من مدى مطابقة تصرفاتها لأحكام القانون ، وتتم هذه الرقابة إما عن طريق الإدارة من تلقاء نفسها أو بناء على شكوى أو تظلم ذوي الشأن من قرار أو تصرف إداري.

النوع الثاني : الرقابة التي يمارسها أعضاء مجلس الشورى من خلال الاستفسارات والمناقشات والأسئلة التي يوجهونا إلى المسؤولين بالوحدات الحكومية ، استنادا إلى صلاحياتهم الواردة باللائحة الداخلية لمجلس الشورى الصادرة بالمرسوم السلطاني رقم 88/97، وذلك بناء على ما يتبين للأعضاء من ملاحظات على قرارات تلك الوحدات أو تصرفاتها.

النوع الثالث : رقابة الرأي العام ، فهذه الرقابة لها دور هام في تحسين أداء الوحدات الحكومية ، وذلك من خلال ما تسلط عليه الصحافة الأضواء على المشاكل العامة التي تحدث في المجتمع ، واقتراح الحلول المناسبة بشأنها ، كذلك فإن الانفتاح الإعلامي وتطور وسائل الاتصال وسرعة نقل المعلومات ساهم بدور كبير في ازدياد رقابة الرأي العام على أداء الجهات الإدارية ، وذلك عن طريق قيام بعض المواطنين بالتعبير عن آرائهم وطرح أوجه النقد البنَاء حول ما يرونه من سلبيات واقتراح وسائل تلافيها.

النوع الرابع : الرقابة التي تمارسها بعض الجهات الحكومية المستقلة على أعمال وحدات الجهاز الإداري للدولة ، سواء كانت رقابة سابقة أم لاحقة وذلك وفقا لصلاحياتها وسلطاتها المحددة في قانونها ، كرقابة وزارة الخدمة المدنية ووزارة المالية وجهاز الرقابة المالية للدولة على أعمال تلك الوحدات .

النوع الخامس : الشكاوى والتظلمات التي يرفعها ذوو الشأن إلى المقام السامي لمولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان المعظم - حفظه الله ورعاه - وإلى ديوان البلاط السلطاني ، حيث درج الكثير من الناس على تقديم شكاوى يتظلمون فيها من قرارات وتصرفات بعض المختصين في الوحدات الحكومية فيتم بحثها والبت فيها بعد استيضاح رأي الجهات المعنية.

ومما لا شك فيه أنه على الرغم من وجود أنواع الرقابة المشار إليها في السلطنة التي كانت – وما زالت - تحقق بعض الضمانات للأفراد ، وساهمت إلى حد كبير في قيام الإدارة أحيانا بالتروي والدراسة المستفيضة قبل اتخاذ قراراتها بل وفي أحيان أخرى إلى إعادة النظر في القرارات الصادرة منها ، إلا أن الرقابة القضائية على أعمال الإدارة تظل هي الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق والحريات ، فهي أفضل أنواع الرقابة وأكملها ، لأنها تتيح لكل شخص تتأثر مصلحته بقرار إداري أو تصرف من تصرفات الإدارة أن يلجأ إلى القضاء طالبا الحكم بعدم صحة القرار المتضرر منه أو التعويض عنه ، وذلك لما يتمتع به القضاء من استقلال وحياد تام يجعله بمنأى عن تدخل الدولة في شؤونه وفقا لما نصت عليه المادتين (60 ، 61) من النظام الأساسي للدولة ، إذ بغير هذه الرقابةالقضائية لا يعدو القانون أن يكون سوى قواعد نظرية لا يوجد من يحقق لها الاحترام الواجب والصفة الإلزامية الآمرة.

لذلك جاء إنشاء محكمة القضاء الإداري تنفيذا لما نصت عليه المادة (67) من النظام الأساسي للدولة ، الأمر الذي يُعد نقلة حضارية هامة في التنظيم القضائي بالسلطنة وترسيخاً لدولة المؤسسات والقانون.

وقد حرصت هذه المحكمة منذ بداية ممارسة اختصاصاتها المناطة بها على تحقيق العدالة بين المتقاضين في حدود القانون ، واضعة جل اهتمامها تحقيق الأمور الآتية:

الأمر الأول : تأمين الموظفين على وظائفهم وبث روح الطمأنينة في نفوسهم حتى يقوموا بأداء واجباتهم بأكمل وجه دون خوف أو مراعاة لغير أحكام

القانون.

الأمر الثاني : حماية الأفراد مما قد يصيبهم من ضرر نتيجة اتخاذ الجهات الإدارية حيالهم قرارات إدارية مخالفة للقانون.

الأمر الثالث : تحقيق التوازن في العلاقة بين الإدارة والمتعاملين معها ، فلا تقتصر مهمة المحكمة على رقابة أعمال الإدارة للتحقق من مشروعيتها ، وإنما تمتد أيضا لتشمل حماية الإدارة ومساعدتها في حالات كثيرة أهمها : رفض الدعاوى المرفوعة ضد الإدارة إذا كانت تفتقر إلى السند القانوني الصحيح ، وكذلك تمكينها من تحصيل حقوقها لدى الأفراد إذا ما تعذر عليها أخذها منهم ، فضلا عن تنبيهها لأوجه النقص والقصور في التشريعات التي تطبقها كلما اقتضى الأمر ذلك.

وقد ساعد المحكمة في القيام بمهامها ما ضمنه لها قانونها من استقلال عن السلطة التنفيذيةحينما نص في المادة (1) من مرسوم إنشائها على أن تكون المحكمة هيئة قضائية مستقلة للفصل في الخصومات الإدارية ، فاستقلال القضاء هو أساس أرساه النظام الأساسي للدولة ورسخه قانون المحكمة ، ثم أكده المرسوم السلطاني رقم 10/2012 بشأن تنظيم إدارة شؤون القضاء الذي ألغى المادة (2) من المرسوم السلطاني رقم 91/99 بإنشاء محكمة القضاء الإداري وإصدار قانونها التي كانت تنص على أن يكون وزير ديوان البلاط السلطاني هو الوزير المختص بالنسبة إلى المحكمة ،فأصبحت هذه المحكمة مستقلة استقلالا تاما عن السلطة التنفيذية، تدير بنفسها شؤونها القضائية والإدارية بما يضمن حسن سير العمل بها.

ومن الجدير بالذكر أن دور المحكمة لم يقتصر على الفصل في الدعاوى المرفوعة أمامها ، وإنما أناط المشرع بها بموجب المادة (29) من قانونها مهمة التحقق من سلامة القوانين واللوائح المعمول بها بالسلطنة وبيان ما إذا كان يشوبها أي نقص أو غموض ثم اقتراح وسائل معالجتها ، كذلك التنويه إلى حالات وجود مجاوزة أي جهة إدارية لسلطتها وذلك كله في ضوء ما تظهره الأحكام الصادرة من المحكمة ، على أن يقدم رئيس المحكمة تقريرا بذلك إلى وزير ديوان البلاط السلطاني ليقوم برفعه إلى المقام السامي لحضرة صاحب الجلالة السلطان المعظم ـ حفظه الله ورعاه ، والتزاما بهذا الدور الهام فقد حرصت المحكمة أثناء نظرها الدعاوى المرفوعة أمامها على رصد أي ملاحظات تراها على التشريعات القائمة ، والتنبيه في حيثيات أحكامها على بعض تلك الملاحظات وكيفية تداركها بهدف التوصية للجهات الإدارية بالعمل على تلافيها أولا بأول ، وذلك إيمانا من المحكمة بأن دورها لا يقتصر على الرقابة القضائية على أعمال الجهات الإدارية وإنما يمتد إلى معاونة هذه الجهات في ضمان حسن سير العمل بها بانتظام واطراد بما يحقق المصلحة العامة وفي إطار من المشروعية وسيادة القانون.

واستمرارا لنهج الدولة في تأكيد سيادة القانون بالبلاد وكفالة حق التقاضي للناس كافة فقد صدر المرسوم السلطاني رقم 3/2009 بتعديل بعض أحكام قانون محكمة القضاء الإداري ، وكان من أبرز التعديلات توسيع اختصاص المحكمة فيما يتعلق بالدعاوى التي يقدمها الموظفون العموميون حيث أصبحت المحكمة مختصة بمراجعة القرارات الإدارية النهائية المتعلقة بسائر شؤونهم الوظيفية بعد أن كانت محددة على سبيل الحصر ، كذلك زيادة ميعاد تقديم التظلم من القرار وميعاد رفع الدعوى إلى شهرين بدلا من شهر ، بهدف منح المتقاضين والجهات الإدارية المهلة الكافية لإعادة النظر في القرار المتظلم منه ولرفع الدعوى أمام المحكمة ، كما تضمنت التعديلات إمكانية تشكيل أكثر من دائرة استئنافية بالمحكمة بعد أن كانت مقصورة على دائرة واحدة ، وغير ذلك من الأمور المتعلقة بتنظيم إجراءات التقاضي وسير العمل بالمحكمة.



 

© 2020 - محكمة القضاء الاداري - سلطنة عُمان
   
Powered by: tuhur.net